الجصاص

376

أحكام القرآن

الميتة من بهيمة الأنعام مستثناة من الإباحة ، فهذا تأويل لا وجه له . ثم لا يخلو من أن يكون قوله : ( غير محلى الصيد وأنتم حرم ) مستثنى مما يليه من الاستثناء ، فيصير بمنزلة قوله : إلا ما يتلى عليكم إلا محلي الصيد وأنتم حرم ، ولو كان كذلك لوجب أن يكون موجبا لإباحة الصيد في الإحرام ، لأنه استثناء من المحظور ، إذ كان مثل قوله : ( إلا ما يتلى عليكم ) سوى الصيد مما قد بين وسيبين تحريمه في الثاني ، أو أن يكون معناه : أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم . قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) روي عن السلف فيه وجوه ، فروي عن ابن عباس : " أن الشعائر مناسك الحج " . وقال مجاهد : " الصفا والمروة والهدي والبدن كل ذلك من الشعائر " . وقال عطاء : " فرائض الله التي حدها لعباده " . وقال الحسن : " دين الله كله لقوله تعالى : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) [ الحج : 32 ] أي : دين الله " . وقيل : إنها أعلام الحرم نهاهم أن يتجاوزوها غير محرمين إذا أرادوا دخول مكة . وهذه الوجوه كلها في احتمال الآية . والأصل في الشعائر أنها مأخوذه من الإشعار وهي الإعلام من جهة الإحساس ، ومنها مشاعر البدن وهي الحواس . والمشاعر أيضا هي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات ، وتقول : قد شعرت به ، أي علمته ، وقال تعالى : ( لا يشعرون ) [ البقرة : 12 ] يعني : لا يعلمون . ومنه الشاعر لأنه يشعر بفطنته لما لا يشعر به غيره . وإذا كان الأصل على ما وصفنا فالشعائر العلامات واحدها شعيرة ، وهي العلامة التي يشعر بها الشئ ويعلم ، فقوله تعالى : ( لا تحلوا شعائر الله ) قد انتظم جميع معالم دين الله ، وهو ما أعلمناه الله تعالى وحده من فرائض دينه وعلاماتها بأن لا يتجاوزوا حدوده ولا يقصروا دونها ولا يضيعوها ، فينتظم ذلك جميع المعاني التي رويت عن السلف من تأويلها ، فاقتضى ذلك حظر دخول الحرم إلا محرما ، وحظر استحلاله بالقتال فيه ، وحظر قتل من لجأ إليه ، ويدل أيضا على وجوب السعي بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الله على ما روي عن مجاهد ، لأن الطواف بهما كان من شريعة إبراهيم عليه السلام ، وقد طاف النبي صلى الله عليه وسلم بهما ، فثبت أنهما من شعائر الله . وقوله عز وجل : ( ولا الشهر الحرام ) ، روي عن ابن عباس وقتادة أن إحلاله هو القتال فيه ، قال الله تعالى في سورة البقرة : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) [ البقرة : 217 ] وقد بينا أنه منسوخ ، وذكرنا قول من روي عنه ذلك وأن قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين ) [ التوبة : 5 ] نسخه . وقال عطاء : " حكمه ثابت ، والقتال في الشهر الحرام محظور " . وقد اختلف في المراد بقوله : ( ولا الشهر الحرام ) فقال قتادة :